كتب : نضال الزبيدي

جوردن ديلي - في لحظةٍ تتقاطع فيها الأرقام مع الجغرافيا، تجد الشركة الأردنية لإنتاج الأدوية نفسها أمام اختبار مختلف ، فبعد أن سجّلت قفزةً لافتة في أرباحها من 641 ألف دينار في عام 2024 إلى نحو 4.1 مليون دينار في عام 2025 - أي نمو يقارب 544% - لم يعد السؤال كيف وصلت الى هذا الانجاز، بل كيف ستحافظ على ما وصلت إليه، في بيئة إقليمية تزداد اضطراباً.

الإدراج في السوق الثاني في بورصة عمّان شكّل إعلاناً واضحاً عن انتقال الشركة من مرحلة إعادة البناء إلى مرحلة النمو، لكن هذا الانتقال، الذي جاء في توقيت مثالي من حيث الأداء، يتزامن مع توقيت معقّد من حيث البيئة الخارجية. فالحرب على إيران لا تُعيد رسم خرائط السياسة فقط، بل تعيد تشكيل كلف الإنتاج، وسلاسل التوريد، وسلوك المستثمرين.

أول التحديات يظهر في كلفة الطاقة. فالصناعة الدوائية، رغم طابعها العلمي، تظل صناعة كثيفة الاعتماد على الطاقة - في التصنيع، والتعقيم، والنقل. ومع أي تصعيد في المنطقة، تبقى أسواق النفط أول المتأثرين، ما ينعكس مباشرة على كلف التشغيل وبالنسبة لشركة خرجت للتو من مرحلة الضغط المالي إلى تحقيق أرباح قوية، فإن أي ارتفاع مفاجئ في الكلف قد يضغط على الهوامش، خصوصاً في قطاع لا يملك حرية تسعير كاملة بسبب الطبيعة التنظيمية للأدوية.

ثم تأتي سلاسل التوريد، وهي التحدي الأكثر حساسية ، فالصناعات الدوائية لا تعمل بمعزل عن العالم، بل تعتمد على شبكة معقدة من الموردين للمواد الفعالة (API) Active Pharmaceutical Ingredient ومكونات التصنيع والتغليف، وفي ظل اضطراب المسارات الجوية والبحرية في المنطقة، فإن احتمالات التأخير وارتفاع تكاليف الشحن تصبح واقعًا يوميًا، لا مجرد احتمال نظري. وهذا يعني أن التحدي لم يعد فقط في الإنتاج، بل في القدرة على تأمين مدخلاته في الوقت والتكلفة المناسبين.

أما على مستوى الأسواق المالية، فإن الصورة لا تقل تعقيدًا ، فالحروب ترفع منسوب الحذر، وتدفع المستثمرين نحو تقليل المخاطر وعلى الرغم  من الأداء القوي، ما زال سهم الشركة يتحرك عند مستويات تقارب 1.4 دينار، في إشارة إلى أن السوق لم يمنح ثقته الكاملة بعد، أو أنه ينتظر دلائل إضافية على استدامة هذا النمو. وفي بيئة تتسم بالتقلب، قد تتأخر تدفقات الاستثمار المؤسسي، أو تصبح أكثر انتقائية، أو لربما كونها  كانت مدرجة في سوق (OTC) وتم الاعلان اليوم عن انتقالها الى السوق الثاني للاسهم المدرجة في بورصة عمان ، نظرا لأدائها المالي القوي نهاية العام الماضي.

ولا يمكن إغفال بُعد التوسع الإقليمي، الذي يشكّل أحد أعمدة استراتيجية الشركة ، فالأسواق التي تبدو واعدة في الظروف الطبيعية، قد تصبح أكثر تعقيدًا في ظل التوترات السياسية، سواء من حيث الدخول إليها أو الاستمرار فيها. وهذا يضع الشركة أمام معادلة دقيقة: كيف توسّع حضورها دون أن تزيد من انكشافها للمخاطر الجيوسياسية.

وسط كل هذه التحديات، يعود الدور الحاسم إلى الإدارة، فمجلس الإدارة، الذي قاد مرحلة التحول، مطالب اليوم بإدارة المخاطر بنفس الكفاءة التي أدار بها النمو. أما الإدارة التنفيذية، التي نجحت في ترجمة الاستراتيجية إلى نتائج، فهي أمام اختبار مختلف: ليس فقط تحقيق الأرباح، بل حمايتها. فالمرحلة السابقة كانت إدارة نمو، أما المرحلة القادمة فهي إدارة توازن.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم هو استدامة النمو، فالقفزات الكبيرة - مهما كانت مبهرة - نادراً ما تتكرر بنفس الوتيرة، والتحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى رقمٍ مرتفع، بل في تحويله إلى قاعدة مستقرة وهنا، قد تتحول الحرب إلى عامل اختبار وفرصة في آنٍ واحد: اختبار لقدرة الشركة على التكيف، وفرصة لإعادة التموضع في سوق قد تتغير ملامحه.

في المحصلة، تقف الشركة اليوم في موقعٍ متقدم، لكنها ليست في منطقة آمنة بعد،  لقد أثبتت قدرتها على التحول، لكن المرحلة القادمة ستختبر قدرتها على الصمود ، وبين النمو والمخاطر، يبقى الفارق - كما في كل مرة - في كيفية إدارة التفاصيل.

فالأسواق لا تكافئ من يصل أولاً… بل من يعرف كيف يبقى.